عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
420
اللباب في علوم الكتاب
المثل وبيان أنّ هذه الحالة صورة حال هؤلاء المشركين في جهلهم وقولهم بالشرك ، كأنّه تعالى يقول : هو الذي خلق كلّ واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية ، فلمّا تغشّى الزّوج زوجته وظهر الحمل دعا الزّوج والزّوجة ربهما إن أتانا ولدا صالحا سويّا لنكونن من الشّاكرين لآلائك ونعمائك ، فلمّا آتاهما اللّه ولدا صالحا سويّا جعل الزوج والزوجة للّه شركاء فيما آتاهما ؛ لأنّهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطّبائع كما يقول الطبيعيون ، وتارة ينسبونه إلى الكواكب كقول المنجمين ، وتارة إلى الأصنام والأوثان كقول عبدة الأصنام . ثم قال تعالى : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزّه اللّه تعالى عن ذلك الشّرك . وهذا قول عكرمة . والثاني : أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « وهم آل أقصى » . والمراد من قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ قصي وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها ، فلمّا آتاهما ما طلبا من الولد الصّالح السّوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة : عبد مناف ، وعبد العزّى ، وعبد قصيّ وعبد اللّات وعبد الدّار ، وجعل الضمير في يشركون لهما ، ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك . الثالث : إن سلّمنا أن هذه الآية وردت في شرح قصّة آدم - عليه السّلام - . وعلى هذا ففي دفع هذا الإشكال وجوه : أحدها : أن المشركين كانوا يقولون : إنّ آدم - عليه الصلاة والسلام - كان يعبد الأصنام ، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ، فذكر تعالى قصة آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - وحكى عنهما أنهما قالا : لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي : ذكر تعالى أنه لو آتاهما ولدا صالحا لاشتغلوا بشكر تلك النّعمة . ثم قال فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ . فقوله : « جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ » ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتّبعيد تقديره : فلما آتاهما صالحا أجعلا له شركاء فيما آتاهما ؟ : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تعالى اللّه عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشّرك وينسبونه إلى آدم - عليه الصلاة والسلام - ، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام ، ثم قيل ذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك . فيقول المنعم : فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ، ثم يقابلني بالشّرّ ؟ إنه بريء عن ذلك . فقوله : يقابلني بالشّرّ المراد منه : النفي والتبعيد فكذا ههنا . ثانيها : إن سلمنا أن القصّة في آدم وحواء فلا إشكال في ألفاظها إلا قوله فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ ، أي : جعلا أولادهما شركاء على حذف المضاف وإقامة